الرئيسية » كتاب » أبي أنا أيضًا رحلت
عمار الجمعة
عمار الجمعة

أبي أنا أيضًا رحلت

سنابل

عمار الجمعة
في رحيلك الأبوي نتحسس أوقاتنا عبثًا، يجيء صدى مزامير أنشودة تهدد ماتبقى من نظراتك الجزلة ببوح الموقف العالي، وفعله حين يشيخ ذلك الدرب الذي عبَّدْته برحيق تعليم الصغار ليكبروا
كم نسينا ياأبي،
ضاقت كل أخلاق الرجال بفعلهم ، ضاق الطريق نحو حقيبةٍ جمعت كوم المعاني حين توسّدْنا التفتُّتَ في معاني الجمع، والعُصيِّ التي تأبى تكسرًا إذا اجتمعن، وتكسرت آحادا.
كان انتظارك موسمًا للانتظار،
ياسيّدُ: انطفأت دقةُ المواعيد، وتلبسنا استهتارُ خمس دقائق أُخَر ليفوت موعدُنا، وتنتفض شريعة تعاليمٍ حول المواعيد، واﻻبتعاد عما يأخّر الركبَ ،فلكل شيءٍ حقيقةٌ واحدة، وإن اختلفت تفاصيلُ الوصول.
مازال الوقتُ باردًا مُذ رحلتَ،
وابنتي الصغرى تمسكني من خنصري، أو بنصري نحو بيتك/ بيت جدي ياأبي.
تحسستُ وقتها كلَّ الدروب، كلُّ الدروب نحوك باردة، وفراشك المتوسد قاع وجعك المنهك لقامتك الموغلة في جدية الأشياء وسط الغرفة/ التاريخ،  علمتُ وقتها أني سأقرؤك بما مضى وانقضى، وأن فتاتي لن ترى جدها الذي غاب.
في رحيلك أطفأتُ كل مواقفي، واشتغلت بوهج دموعك حين قلت لي: إن المواقف غالية، وإن فعلها يفوق اتخاذها،
وحين زرتني -وأنا متخم بغياب ذاكرتي- تصاعدت خلايا الذاكرة.

قم يا أبا الطِيْب، قم ف (بسكليتك) التي صارت فرسًا تحلّق اﻵن في براري مائك المالح، وطيور القطا تفزع كلما جئتَ لتزورنا، قمْ فهذه الدنيا بدونك محض رواية عابرة.
أدركتُ يا أبي أن القصيدة اكتملت حين طردتَ يُتمكَ الطويل قرب دروب القرية اﻵثمة التي مزقت الجميع لتجيء حاملًا أملًا واسع اﻷمنيات، لنكون فيما بعد نسخًا للقصيدة التي نامت قرب ظلكِ، القصيدة التي تأخرت عن أداء وجعها المعهود.
قرب رحيلك تطير حمامات الوقت، يتوسد معنىً لشعراء غرقوا في البوح المعتّق، يبسوا وهم يتراكضون كي يصلوا النهاية،
وﻻ معنى لنارٍ تطال أخضرَهم.
يا أبي: لم نزل نحرث وقتنا بمحراث موتانا،
ونزرعه، ونحصده بمنجلهم.
اتسعت دوائر موتنا، زاد عدد الغائبين، والغائبين، والغائبين الراحلين.
واﻵن، ومن هناك تمتدُّ عيناي لتصل قربك.
أنا أيضا رحلت يا أبي،
وتركت قبري قرب قبرك فارغًا في الانتظار،
وتركت ذاكرتي تحفل بالحكايا، والقرى، والضوء البعيد، والهواء الذي يلفح القلوب كلما اشتاقت لعشقها اﻷزلي.
كان التلُّ المُسمَّى بالموتى يرفع قامته كلما احتضن اسمًا جديداً -تل بريش- ابتعدنا كثيرًا وتركناك تنتظر.

تعليقات

التعليقات ادناه تعبر عن وجهة نظر و اراء اصحابها لا عن راي شباب بوست

انظر ايضا

القامشلي في ذاكرة اهلنا … (2)

عماد الحسين -شباب بوست القامشلي في ذاكرة اهلنا …2   لم تكن مدينة القامشلي يوما …

” كان يضحك أثناء دخوله قاعة المحكمة ” .. ألمانيا : السجن مدى الحياة للاجئ سوري قتل زوجته بـ 21 طعنة

قضت محكمة ألمانية بالسجن المؤبد بحق رجل سوري، بعد إدانته بقتل زوجته في مدينة ميونخ، …

قصة الاخوان المعاقان في الحسكة….. يعيشان على الحليب فقط لاكثر من ثلاثة عقود

الاخوان خلف و عواد ولدا معاقين ولم يجدا سوى اختهما التي خصصت كل وقتها للإهتمام …