الرئيسية » مقالات » تحت سقف الحرب » تحت سقف الحرب (9) دموع السكر

تحت سقف الحرب (9) دموع السكر

تحت سقف الحرب- 9-
دموع السكر
د. يسرى السعيد
في هذا الصباح قررت أن تتغلب على مخاوفها، وأن تنسى كل ماحدث معها، وبدون تأخير أدارت الراديو الصغيروكانت فيروز تحييها، ويسعدك صباحك ياحلو، ابتسمت لفيروز بمرار، وأكملت مشوارها مع صنع فنجان قهوة، والآن تنتظرها الشرفة لتلقي تحية الصباح على العصافير والفئران الهاربة بين الأزقة، والقطط التي تموء بحثاً عن طعام أو بقايا جثث، وبابتسامة عريضة تحيي جارتها التي لم تسمع صوتها من سنتين حين أتت من مدينة أخرى أكثر اشتعالاً ، وأكثر حزناً.
أي صباح بدون زوجها وأولادها، وكيف تقنع الهواء أن يخفف ثقله على صدرها؟
هي لازالت تحاول النهوض، وتجرب وصفة النسيان، وتتجاوز مصيبة التفجير الأخير الذي سحب زوجها وأولادها لعالم آخر، هي لازالت تذكر أن ذلك الصباح كان من أجمل الصباحات حين طبع ولديها قبلة الوداع على جبينها قبل الذهاب للعمل، وحين قال زوجها: بسرعة نكاد نتأخر على العمل، ولماذا كل هذه القبلات، وكأنه الوداع الأخير؟
نعم: الوداع الأخير، هذا الوداع يجعلك تمسك بمن تحب بقوة أكبر، يجعلك تلتصق بوجنتيه، وبيديه أكثر، يجعلك تسحب أنفاسك من رائحته!!
في هذا الصباح- وبعد شهر من التفجير الذي كان بانتظار أولادها وزوجها في الشارع العام- ، تحاول أم سليم أن تستجيب لدعوة الجميع حولها بالصبر، وبمتابعة حياتها، وبالاهتمام بصحتها التي لم يبقى منها إلا معالم امرأة ناقمة على تفجير لم ينهي حياتها أيضاً.
وهل ستستطيع حقاً متابعة حياتها؟ وكيف؟
تتسلل أم سليم من بيتها في ذلك الصباح نحو مقبرة جماعية تجمعت فيها بعض أشلاء وجدت، واعتبر كل جزء منها تمثيلاً لجثة كاملة، وتضع الورود حول كل قبر، وحين تصل قبور أولادها وزوجها تنحني وتقبل التراب، عساها تستنشق بعض العطر من جسد ولديها، ثم يغيب كل شيء عنها لتجد نفسها من جديد في مشفى صغير وجارها العزيز ابو نادر وقد وقف فوق راسها يبكي حالها، ويقول لها: يا أم سليم ألم تعدين زوجتي بعدم الذهاب لهناك، وبأن تعودي لحياتك الطبيعية؟
وتجيبه أم سليم: نعم ولكنني وجدت القهوة مرة جداً، وذهبت أحضر لها بعض السكر ياجار.

 

اللوحة للفنان السوري محمد طاهر برو

تعليقات

التعليقات ادناه تعبر عن وجهة نظر و اراء اصحابها لا عن راي شباب بوست