الرئيسية » كتاب » حسن شاحوت » تكتب زوجتي من أرض النار

تكتب زوجتي من أرض النار

عن الزوجات الحبيبات وهنَّ يوزعنَّ علينا وعلى أبنائهن الصبر والوعود بأشياء كثيرة، ليست الحرب أو انتحار الذكريات بينها.

 

حسن شاحوت

كلُّ شيءٍ ناقصٌ، الأرضُ ناقصةٌ، تلتهم أجسادنا لتستر عريها، الضمائر ناقصة، تبدأ الحرب من كلمةٍ أو نقطة حبر، والثورة ناقصة أيضاً -إذا شئت سمّها ثورة وهي ثورة بالتأكيد- سرقوها قبل أن تتعلم الكلام أو المشيَ فوقَ الجمر والحكايات، الأصابع ناقصة، قطعوا عنها ماء النهر قبل أن تكتمل قصيدتي، الذكريات الناقصة صورة (فوتوغرافية) لقاماتِ الوحشةِ المستديرة في العيون، الأرواح ناقصة، بعد أن تحملها الطائرات بعيداً عن مفاتنِ الجزيرة وسحرها الكبير الأبيض، والجزيرة التي امتدت بين جبل ونهر ونهر وسهول شاسعة فسيحة مثل ضحكة الأطفال ناقصة هي كذلك، فلا أهلها أهلها اليوم ولا نارها التي تستعر بها هي نارها المقدسة حين ذهبت كلّ البلاد إلى الحرب وعادتِ ناقصة بلا أرجل وبلا وشومها الكثيرة وندوبها وجراحاتها الطرية.

الرسالة ناقصة نصفها مضغتهُ الشبكة والنصف الآخر نام في الطريق بين أصابعي ولوحة المفاتيح، ربما هذا ما تكتبه زوجة تفلت من الحرب وتحنو على صغارها مثل طائر البجع، ربما تفعل هذا لتبني خيمة من وهم فوقهم فلا يعودوا يبردون أو يرونَ الطائرات مزمجره تحتل السماء والأرض والحلم.

إذن تحية ناقصة وبعد:

أكتبُ إليك وأنا أتفتتُ وأحترق مثل البلاد، تشبهني البلاد بالجراحِ والنواحِ والأرق، وأذوب كالشموع تماماً، الشموع التي كنتَ تقرأ على ضوئها قصائدك المائلة، أكتبُ إليك وأطفال قلبي -غاية في الهرم- يلعبون في شوارعِ الأحزان وحديقة النار، أكتبُ على أيّةِ غيمة أو شجرة أو دمعة ولابدّ أن تصل رسالتي إليك، لأحدثكَ، يا وجعي الدائم، بالتفاصيل والدموع وسريري المحشو بسكاكين الظلام والوحدة، بالذكريات والرصاص ونصف كأس الشاي الذي نسيت أن تقول له وداعاً -ونسي هو أن يبردَ في غيابك- لأحدثك عن روحي التي تعوي في شوارعِ الحنين الأصفر، قلبي الذي امّحت ملامحه من الأنين والليالي، دموعي التي سال تاريخها في الكتاب وغفلة الحب، لأحدثك.. لسنا بعدك آمنين.. لا أبداً لسنا. قد أقول لك: تحية طيبة هانحن بخير والحرب مرّت من تحت شباكنا ولم تقتل أحداً، كانت مصادفة أن تمرَّ الحرب بكل هيبتها دون أن تحدث ذلك الخلل في كوننا الصغير، دون أن تأخذ أحداً منا حيث ستذهب وتنام، هل يتوجّب عليَّ أنا الكليلةُ والحزينةُ والهرمة قبل أي وقت مضى أن أحييكَ وأطمئنكَ عليَّ وعلى الأولاد كيف كبروا ويحملون بواريد خشبية وسيوف من الحطب وبلطات يهشمون فيها رؤوس الخضروات. الحرب لم تأخذنا لكنها علمّتنا فنونها وألاعيبها وقدرتها على الأخذ.

ليتك تمرُّ ريحاً تهزُّ أغصان القلب اليابسة

ليتك تمرُّ غيمة تمطر جدران الروح المهدمة.

ليتك تمرُّ على خرسِ العيون وخرائب الوجه ومدن الحياد كأغنية تناثرت أسنانها في جسدِ الليل، لتؤكد لملائكة الوحشة بطلان الآثم في غرفتي، لأحول أناشيدي المشطوبة من التراب إلى دروسٍ في الحب و أنسج خيوط الهواء ووبر الشمس معطفاً لغيبوبة الشتاء، أكتبُ إليك وجثتي أمامَ الله ووجه القمر الشاحب وأمامي، تتقلّب فوق تخت غيابك الحديدي، تلملمُ فُتات القبلة القديمة من ضحكِ البيت، تلاحق فاجعة الأسئلة إلى أقصاها. في الحوش الممتد على العشب تكبر شجرتك أيضاً، وأكادُ أجد كل يوم في أرضها الكثير من الدموع والعتب، هذه الشجرة مثلي لا تقرأ و لا تكتب جيداً، لكنّها تعلمت أن ترسم ما تريد كل صباح، قبل صباح قبل أن يذهب التلاميذ إلى مدارسهم ويعبئوا محافظهم بدفتر الرسم، لينقلوها من الحوش إلى غرفة الصف في المدرسة.

كيف لك أيها الدمع أن تشعل حريقاً في ذاكرتي المشوّهة؟

كيف لك أيها القلب أن تخذل ساعة اليقين النائمة في عشب الفجر؟

كيف لك أيها الشاعر أن تهبط من السماء وتعطر المكان بدخانك؟

كيف؟ وهؤلاء أطفالك -يصرخون كالحنين- يلاحقهم الحزن وقوافل العطش في الطرقات، كيف؟ وقد تركتَ أغنام القلق ترعى بساتين أحلامنا، كيف؟ وامرأتك المهملة تحملُ قلبها خارج المسافة وتركض، لتفسركَ كما تشاء: الحلم المعلق وراء الباب، السحر القادم على جناحِ غيمة، الماء عاشقاً بيدٍ مبتورة، العشب خطى المحبين والمواعيد، مقبرة الذنوب، الحريق الصغير في ثيابي

 

للندم أظافر معدنية تخمش جسد النسيان، الرحيل انحراف لسفينة الشمس، قافلة الحب على ظهرِ إبلِ الريح، معادلة القلب التي لم تكتبها، أفسرك الوطن ويغربلك الحنين، أفسرك الألم وأتكسّر

أكتبُ إليكَ أيها النائم تحت أشجار القلب، يا فرحي الهارب، يا خلي وبياض جثتي، يا كسوة أعيادي المؤجلة، يا ذنبي الممدد على الفراش، يا طفلَ حزني أرضعتك حليب عيوني لقتلِ هذا الغياب

كتبُ إليك وأخاف أن يسقط أسمك الشاهق بيدِ عجائز الأزقة والنميمة، فتناهبه الشامتات حرفاً حرفا أخاف ياجرح عمري المديد وأنت على رصيف المنفى تدخن بشراهة سنوات الحرب التي أخذت من عمرنا الكثير، أكتبُ وجسدي بارد مثل الموت وخوفي يملئ الوجوه بالتجاعيد والنقوش القديمة، وأسراب الطيور المهاجرة نذير شؤم تحتل   كل الأمكنة وتحرضنا على الرحيل.

البارحة كان إخوتك وأخواتك يتحدثون عنك، كنت ُأسمعهم من خلف الباب كانوا يسمعون قصائدك المسجلة ويضحكون كثيرا المصطبة التي كنتَ  تجلس عليها دائما وتقرأ قصائدك، والتي لم يجلس عليها أحد، وجدوها غارقة في الدموع.

البارحة وحين كنتُ اقطفُ عشبة القدر وأزين صورتك في إطار من البلاستيك، سألتني صديقتي التي تصنع من حكايات الفقد سلم الذكريات، متى تنتهي الحرب وننجو ولو بخديعة الخسران؟.

كم من القنابل عليَّ أن أحصي لأقول انتهت الحرب؟ الحرب التي بلعت بلادنا واسترخت على الأريكة بين اليقظة والنوم، كم من الكلمات عليّ أن أكتب لأقول أن روحي تحاصرها الذكريات والحنين؟ آه…يا أجمل ذكرياتي و أقساها، تذكّر أيامنا التي مرَّت سريعا، جنوني الذي تركته على شفتيك، غرفتنا وفوضى الأصدقاء والشعر، تذكر وأنت تفتت قمح أحلامنا في الشوارع الموحلة، الشوارع المقفرة التي تشبه هذا لضياع والتشتت الذي نسميه أعمارنا، تذكر حين كنت تشرب قهوة الصباح على عتبة الذكريات وتأخذ العابرين إلى روحك والأسئلة إلى الصلوات، فيظن  العابر أنَّ الذكريات أحتلت مكانك ورحلت…في حين لم ترحل، واثقة أن الحياة رحيمة وأنك ستعود يوماً وتقتل ذاكرة الدروب بالحكمة.

 

أكتبُ ويسّاقط عليَّ الارتباك وغبار الموت وآيات الذكرى.. وحدك تركت ذئاب الروح تعوي على ما مضى من السنين، وحدك كالليل تطعن ذاكرتي في جثث الشهداء، وحدك، تكتب الكلمات على أرضٍ هشّة، ووحيداً تنام في مقابر الحنين.

هي ذي أنا -امرأتكَ- تسكنُ أرضَ النار وتكتبُ لك: لا تنس يا شاعري الذي تثيرُ حسدَ الآخرين، أنَّ نصفَ الكلام نام في المسافةِ بين الأصابع ولوحةِ المفاتيح، لا تخف بعد كلِّ هذا الهذر، لا تخف، فقد قلت الحرب لأطمئنكَ، مرّت الحرب من تحت شباكنا أخذت بعض الحديد والأسمنت والغبار ولم تأخذ   أحداً من أبنائنا أو أحلامنا أو ذكرياتنا، ثق بحارس الأحلام على هذه الأرض!.

تعليقات

التعليقات ادناه تعبر عن وجهة نظر و اراء اصحابها لا عن راي شباب بوست

انظر ايضا

فيسبوك تضيف البث المباشر والدردشة الفيديوية للألعاب الفورية

أعلنت فيسبوك عن حصول الألعاب الفورية ضمن منصة التراسل ماسنجر على ترقية تضيف لها خيار …

معاناة سكان مخيم المبروكة في ريف الحسكة الغربي

عبدالله العلي- شباب بوست معاناة سكان مخيم المبروكة في ريف الحسكة الغربي في بداية عام …

مشفى تل تمر بعد أن بات تحت رعاية الصليب الأحمر ( 1946)

الخابور والآشوريين و دوالي العنب (1933-1946)

الخابور والآشوريين و دوالي العنب (1933-1946) مهند الكاطع الخابور ذكر الزمخشري الخابور فقال: نهر في …