الرئيسية » ثقافة » نصوص » “باربوس” والثَّورة السُّوريَّة

“باربوس” والثَّورة السُّوريَّة

بقلم وائل الناصر

اعتدتُ وأنا صغير، أنْ أنظرَ من ثقبِ الباب لأعرفَ حجمَ الكارثة التي خلفه، لذلك ارتبطتْ كلمة (ثقبٍ) في ذهني بجملة الفجوة التي تسبقُ انهياراً ما. كنَّا ونحنُ صغاراً، ننظرُ من ثقوب الأبوابِ، ليلاً، ثمَّ نضربُ الجرس ونهرب، وغالباً ما ينتهي الأمر بكارثة، لا أعرف حقيقةً لماذا ارتبط في ذهني، نَظَرُنا من ثقوب الأبواب تلك وضربنا لأجراسها مع نَظَرِ العالم إلى ثورتنا السوريَّة من ثقب الأوزون وكأنِّي بهم يضربون جرس حرِّيتنا لتجدنا براميل كلِّ طغاة الأرض. كلٌّ منَّا يحملُ في داخلهِ ثقباً يرى منهُ ما يُريدُ أنْ يراه، أنظرُ إلى فندقِ نفسي، أعدُّ غرفي، أتفقَّدُ جدُرها، فلا أرى ثقوبي. كنتُ أنظرُ إلى ثقب “باربوس” في روايته “الجحيم” على أنَّهُ ثقب “رجل المخابرات” الثقب المموَّه الموسوم بكاميرا تخترقُ صورتها كلَّ جدارٍ وسمعها أيضاً. في قوقعة “مصطفى خليفة” تجدُ ثقبَهُ مرآةً بهِ يكشفُ هول الفظائع التي تُرتَكبُ والتي تنتظرهُ حين يكونُ ثمَّة أحدٌ آخرٌ خلف عين ذلك الثِّقب\المرآة. في “القوقعة” كان يُغَطِّي جسدهُ بالبطَّانيَّة ليسترَ ثقباً لم يحفره، وأقولُ جسدهُ لأنَّ نفسه الخائفة لن تتشرَّبَ ما يراهُ خلف تلك الثقوب بالسُّهولة التي تشرَّبها بطلُ “باربوس” من ثقبه. يضربُ لنا “كولن ويلسون” في كتابهِ “اللَّامنتمي” مثلاً عن اللامنتمي النموذجي في الأدب الحديث فيدلُّنا إلى بطل قصة “باربوس” في “الجحيم” الذي يلجأُ إلى غرفتِهِ في الفندق ليُغلِقَ بابها ويعيشُ ليرقُبَ الآخرين من ثقبٍ في الحائط، إنَّهُ كما يقول “باربوس”: (يرى أكثر وأعمق ممَّا يجب). هذا البطل اللامنتمي النموذجي، اللامسمَّى طيلة صفحات الكتاب، كان قبل “الثِّقب” يرى الحياة بعمومها فوضى، وخلال “الثِّقب” كان يرى المرض والجنس والجريمة، هذه الرُّؤية الخاصَّة هي التي أعطتْ لثقبهِ ماهية الحقيقة. منذ بداية الثَّورة السوريَّة، كان الذين ينظرونَ من ثقوبِ كاميراتهم يُحاولون من وجهة نظرِ “لامنتمي ويلسون” بأنْ يُبيِّنوا للعالم بأنَّ ما يرونهُ هو الحقيقة، والذي فعله نظام الطاغية هو سمل عيون أولئكَ الذين ينظرونَ من ثقوب الحقيقة “لأنَّهم يرونَ أكثر وأعمقَ ممَّا يجب” وهذه الحقيقة يجب أنْ تُقال والفوضى يجب أنْ تُحارب. كنتُ أنظرُ إلى حياتي من ثقبِ (بدِّلْ حياتكَ إنْ هي لم تُعجبْكَ)، والسُّوريون حين أرادوا تبديل حياتهم تحرَّكوا كثيراً أولئكَ الذين ينظرونَ إلينا من ثقبِ الأوزون. اليوتوبيا الذهنيَّة التي نعيشها، أمام من ينظرون من ثقوب كاميراتهم سيفتحون الحقيقة على العالم، لقد اتَّسعتْ هذه اليوتوبيا الذهنيَّة لدى السوريين لأنَّنا بدأنا نرى “أكثر وأعمق ممَّا يجب”، هذه الرُّؤيا العميقة عزَلَتْنا عن تقيَّة العالم ذاك الذي ينظر إلى الحقيقة من ثقب الأوزون. نحنُ بحاجةٍ إلى ذهنيَّة الثِّقب الواحد الذي يُمثِّلهُ بطل “باربوس” في جحيمه، لأنَّه ، أحياناً، تصبحُ الجريمة بحسب مفهوم “دوستويفسكي” في روايته “الجريمة والعقاب” أمراً مطلوباً لتقويم الفوضى، حين يكون الطَّرف الآخر من أصحاب الجريمة بحسب مفهوم “آتيلا الهوني”، ليصرخَ بنا بطل “باربوس” اللامُسمَّى وهو ينظرُ إلينا من ثقب):إنَّني وقد نفذتُ إلى قلب الإنسانيَّة، لم أجدْ شيئاً إنسانيَّاً). قالتْ لي عمَّتي المشلولة شللاً شبه كامل، وقد بلغتْ من الكِبر عتيَّا، حين ورِثَ بشَّار الأسد السُّلطة في سوريا، قالت بلهجتها العاميَّة البسيطة:(ياابني روحوا اقنعوه، يُتركْ السُّلطة، لسَّاتوا صغير، بكرا يِضحكوا عليه). هذه الرُّؤية العميقة أخذتها من ثقب غرفتها التي كانت تنظرُ وينظرُ فيها الوجود في أعمق أحواله، الرُّؤية التي تمدَّدتْ وتشعَّبتْ لتصلَ إلى فكِّ الشِّيفرة للثقب الذي ينظرُ منه الطَّاغية، الثِّقب الذي اختزلَ الرُّؤية ب”بطَّة”، “بيشو”، “PlayStation”. رجل المخابرات يحملُ في رأسهِ ثقب الطاغية، فهو لا ينظرُ إلينا من ثقب نفسه، وكلَّما زادتْ فظائع رجل المخابرات كلَّما ضاق ثقب الطاغية. في “الجريمة والعقاب” عند “دوستويفسكي” كان “راسكولينكوف” بطل الرواية لا يرى من ثقبه سوى المرض والفقر والظُّلم، هو لم يستطع أنْ يرى الجريمة بطريقة اللامنتمي النموذجي عند “كولن ويلسون” والذي يرى “أكثر وأعمق ممَّا يجب”، لذلك حين قرَّرَ أن يُصبحَ كنابليون ويقتل العجوز المرابية، فإنَّهُ لم يعدْ يرى من الثِّقب سوى جريمته هو، الجريمة العادلة، من وجهة نظر ثقبه. لذلك فإنَّ السوريين كما يراهم أولئكَ الذين ينظرونَ من ثقب الأوزون، هم يُقرُّونَ بأنَّنا شخصيَّات “دوستويفيسكيَّة” شخصيَّاتٌ مُذلَّةٌ مُهانةٌ، لذلك فإنَّهم يرونَ من ثقبهم أكثر وأعمق مما يجب، فقد عرفوا الحقيقة ولكنَّهم كمنتمينَ إلى مصالحهم البورجوازيَّة التي يكرهها لامنتمي “كولن ويلسون” زرعوا بيننا ثقوباً سوداء، تُحاولُ كنسَ وبلعَ حرِّيتنا التي عشقناها أكثر وأعمق وأجمل ممَّا يجب. إنَّهم حين ينظرونَ إلينا من ثقب الأوزون، تقتصرُ ذهنيَّة الرُّؤية لديهم على رؤيتهم، فإنَّهم لا يرونَ في ثوراتنا سوى الفوضى والجنس والمرض و و و و الخ. لذلكَ فأنا أُحاولُ جهدي أنْ أجعلهم ينظرون إلينا من الثِّقب الذي نظر منه بطل “باربوس” في جحيمه، ليروننا بعين الحقيقة، ليعرفوا أنَّ المرض والجنس والجريمة هي من مخلَّفات ثقب الطغاة في رؤوسهم. إذن، ثقب “باربوس” يُعينهم على توصيف الحقيقة بأنَّ الجنس والمرض والجريمة، هو أصل العالم الذي ينظرُ إلينا من ثقب الأوزون.

تعليقات

التعليقات ادناه تعبر عن وجهة نظر و اراء اصحابها لا عن راي شباب بوست

انظر ايضا

ﻣﻘﺘﻞ ﻗﺎﺋﺪ ﻋﺴﻜﺮﻱ ﺇﻳﺮﺍﻧﻲ ﻣﻘﺮﺏ ﻣﻦ ﺳﻠﻴﻤﺎﻧﻲ “ﺧﻴﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻤﺪﻱ” ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻮﻛﻤﺎﻝ

ﺃﻛﺪﺕ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺇﻋﻼﻡ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﺒﺖ ﻣﻘﺘﻞ ﻗﺎﺋﺪ ﻋﺴﻜﺮﻱ ﺇﻳﺮﺍﻧﻲ ﺑﺮﺗﺒﺔ ﻟﻮﺍﺀ ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺔ “ﺍﻟﺒﻮﻛﻤﺎﻝ” …

مقتل مواطن من قرية الرشوانية بريف القامشلي بعد اختطافه و ابنه ذو الثلاث سنوات

مازالت ظروف حادثة مقتل المواطن ” صالح عسكر الأحمد ” 41 سنة من أهالي قرية …

وزير عراقي: نحن اخترقنا تنظيم الدولة وسمحنا بهجماته

كشف وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي أثناء مقابلة مع صحيفة ذي إندبندنت البريطانية أن عناصر …