الرئيسية » مقالات » تحت سقف الحرب (4) تراتيل أغنية

تحت سقف الحرب (4) تراتيل أغنية

من تحت سقف الحرب للدكتورة يسرى السّعيد

انتهى اليوم الأول جميلاً كما تصورته؛ أو كما صنعته، استطاعت أن تودع ابنها ببضع أمنيات وبضع هدايا كانت قد صممتها له منذ أبصرت وجهه الوسيم، لكنها ابداً لم تعلم أنها يوم ستزين بها يديه، سيغادرها.

لم يعد يهم الآن سوى عبور ابنها للطرف الآخر من الحياة، لذلك المكان الذي جمع كل أصدقائه، وكل من عرف ومن لم يعرف.

تناولت الكثير من جرعات الأمل ورتلت الكثير من الأدعية، ووحده قميص ابنها الأبيض من كان قادراً أن يمنحها القليل من الصبر.

وبين خطواتها المترنحة جرى الكثير من العرق المتصبب من لهفة انتظار رنين الهاتف، كانت نظرة ابنتها الصغرى ترجوها ان تنام، وكانت تنصت لرغبة ابنتها، وكان شخير زوجها منبهاً دائم التجدد ليقظة ستطول وتطول.

وفي الصباح بشّرتها نسمة لطيفة أن الوقت مضى، وهو كل ما تمنته، لم تفارقها الابتسامة التي تمنحها لزوجها وابنتها، لكنها اليوم لم ترفقها بإعداد فطور لهم، كانت تشعر إن يديها لازالتا مرتبطتان بأصابع ابنها المهاجر.

هي التي لم تسمح له يوماً بالغياب، لن تنس أنها من اشترت له تذكرة الإبحار بقارب قد يصل، وفي أكثر الأحيان لا يصل، هي التي ضمدت كل جراح الحرب بهروب تلو الآخر، هي التي عبّقت كل أغطيته بمسك الأمومة، تنتظر الآن صوته وتتمنى لو يكون بعيدا فهل يتصل، وهل يصل؟!

علت ابتسامة على وجه زوجها أدركت عبرها أن ذلك الجنين الذي طالما انتظرت قدومه، وذلك الطفل الذي طالما رأته رجلا تسند رأسها على كتفه، وتطعم روحها من صدى صوته قد وصل.. وأما الآن فيكفيها ان تدرك أن رحلة جديدة ستبدأ، لكنها هذه المرة قد تكون بلقاء في عالم آخر سيكفيها فيه أنه بخير..وحتى ذلك الوقت ستظل تردد أغنية طالما سمعها ذلك الوسيم وطالما كفكف دموعها بعد ترديدها:

(والعصافير من الصمت تموت

الأجساد تموت ببطء , ببطء

لأنها قد هُجِّرت

هُجِّرت مع ثيابنا القديمة

التي وضعناها في صناديق

الأيدي التي لم نلامسها تموت

من  الوحدة[1]).

 

 

 

 

[1] القصيدة للشاعر اليوناني: جورجثميليس، ترجمة رنا قباني.

تعليقات

التعليقات ادناه تعبر عن وجهة نظر و اراء اصحابها لا عن راي شباب بوست

انظر ايضا

أراد دفن زوجته على الطريقة الإسلامية في بلاد اللجوء.. فيلم مستوحى من قصة حقيقية للاجئ سوري يفوز بجائزة أوسكار

حقق فيلم سويسري قصير، لعب دور البطولة فيه الممثل السوري البارز جهاد عبدو، إحدى جوائز …

“طعنتُ الأم بالسكين ثم ابنتها”.. قاتل عروبة وحلا بركات يعترف ويكشف الأسباب وراء قيامه بالجريمة

اعترف أحمد بركات قريب الناشطة السورية المعارضة، المغدورة “عروبة بركات”، الموقوف في إسطنبول للاشتباه بقتلها …

مقايضةُ الثّورة السّوريّة بالقضيّةِ الكُرديّة…

مقايضةُ الثّورة السّوريّة بالقضيّةِ الكُرديّة… عبدالله النجار لقد كان المستقلّون أكثر وعياً من الأحزاب السياسية …