الرئيسية » كتاب » د يسرى السّعيد » قراءة في رواية أريد حرباً
قراءة في رواية أريد حرباً

قراءة في رواية أريد حرباً

الرواية: أريد حربا

المؤلف: آية رأفت

النشر دار روف للنشر الالكتروني.

الطبعة الاولى فبراير2016

رابط الرواية من هنا

في روايتها الأولى أريد حربا، تكتب آية رأفت قصة رجل يعيش بين عقود أربعة، وتمزج بين الخيال والواقع بصيغة رومانسية يتخللها سرد الأحداث ، والذاكرة الحية الميتة معا، وتتخلل الرواية عدة اقتباسات لشعراء وكتاب قدماء ومعاصرين.

والبطل الرئيس في الرواية هو السيد رفعت الذي تغلبه الشيزوفرينا، التي تبدو من خلال معايشته للواقع حينا، والنكوص للماضي، وبشكل خاص لفترة حرب اوكتوبر[1]، فيعيش حيواته الاثنتين ملخصا ما جرى سابقا، وما يجري معه فيما بعد.

شيزوفرنيا الروح والجسد معا:

المكان هو مصر، القاهرة حيث يصحو البطل متحديا جراحه واستشهاده كما تمنى، وتبدأ رحلة التحدي بالعودة للحياة، ورؤية المجتمع الذي لا يراه، ولا يعترف به لأنه الشهيد الحي، شهيدا سنعرف في نهاية الرواية، أنها مجرد أمنية، فهو ذلك العجوز الذي نبذه أولاده لأساءته لوالدتهم التي لم يحبها يوما والتي صارحها بذلك ليلة الزفاف “اليوم و هو السادس من أكتوبر.. العاشر من رمضان، سيخلَّد في التاريخ كأعظم انتصار، و سيحتفل به الكثيرون.. زهوا و فخرا بأبناء ضحوا من أجل الوطن”.

يصر رفعت على العودة للحياة، لكن، بعد أربعة عقود من لحظة اعتقاده بالشهادة، ليرى مصر الجدية، مصر الثورة، التي رثى لحالها أهلها الذين رآهم ولم يروه، وفي طريقه لبيته الذي يعرفه تماما، ومعايشته لرفعت الحقيقي الذي لم يمت، رفعت العجوز الذي يسكن بيته المهجور من أهله، والمحاط بالذكريات، والمجاور للسيدة التي ما بخلت عليه بالإحسان إليه كعجوز هجره أولاده.

ومع تلك الجارة يعايش رفعت العجوز كل أحداث الرواية، حيث يمضي رفعت الشهيد عبر صفحات الرواية ال170 ماجرى لابنة جارته، الفتاة الشابة راوي التي فقدت نعمة البصر بحادث سير أليم، عانت اثره من اكتئاب شديد دغع والدتها لوضعها في مصحة نفسية، حيث يمضي رفعت الذي يرى الجميع ولايرونه، ويساعد تلك الشابة وحبيبها الأصم والذي يجاورها في أحد غرف المشفى، وتسرد الكاتبة وبجرأة ملحوظة الإساءات التي قد تتعرض لها الفتاة من تحرش من قبل الطبيب المعالج، الذي تدفعه غرائزه لمحاولة اغتصابه الفاشلة بسبب وشاية الممرضة عليه، لا بسبب الأمانة الأخلاقية المهنية، لكن بدافع غرائزي آخر لأنه تجاهل أنوثتها مقابل تلك العمياء!

تسرد الكاتبة في روايتها وبصراحة جميلة كل مكنونات النفس البشرية من حب وغرائز، ويكون المطلع الوحيد هو ذلك الكائن الذي يرى الجميع ولا يرونه، ويساعد الجميع ولا يشعرون به، ويبدو ان الانفصام، او لنقل الحالة الهلامية التي عاشها البطل هي التي ساعدت سبر أغوار الروح والجسد معا دون خوف أو ملامة.

بين الخيال والواقع، الصدق والتواري، تأخذنا الكاتبة لعالم الواقع الذي يمتلأ بالتناقضات، فرفعت الذي يعتقد أن لا أحد يراه هو ذاته ذلك العجوز الذي سيركب قطار الاسكندرية في لقاء مقصود ومتفق عليه مع عمة الأولاد لخطبة احد الأولاد الذين تشاء الصدف أن تربطه علاقة حب جميلة مع ابنة الحبيبة التي لأجلها خسر رفعت زوجته وأولاده كنوع من الانتقام لأمهم المخذولة باعتراف زوجها بعشقه لفريدة الذي لازال حتى ليلة زفافه.

وعند هذا المنعطف من الرواية تبدأ المرحلة الواقعية من الرواية، حيث التقى بأولاده وبفريدة الأم وفريدة الابنة مما يشحن الأولاد، ويوتر العاقة مع الوالد من جديد.

أنا ذلك الماضي الحاضر دائما:

إنها الصدمة التي عندها، أي عند التقاء الماضي بالحاضر يستفيق الشهيد، ليدرك أنه رفعت العجوز الذي يسكن ذلك الحي ويدافع عن حبه بطريقة معاكسة ورومانسية بمحاولته مساعدة تلك الفتاة العمياء ابنة جارته، والاصم الذي يبدو أن حبه لراوية مجرد اشارة سماوية ليتعرف على اخته ضحى التي أخفت والدته انتمائه لها، والتي ربتها تلك الجارة بناء على وصية والدتها لها.

القارئ للرواية سيدرك ذلك المد والجزر لأحداث الرواية بين الماضي الذي نظن أنه انتهى، وبين الحاضر الذي استمر والذي ما هو إلا ماضينا لكن بنكهة الآن!

“عدت لحياتي مرة أخرى، لكنني رجل آخر تماما ، عد ت بروح الشباب التى أنا عليها الآن ، لم أخذ من نفسي سوى الشكل. عرفت من هالة أن والدي رفض زواجي من فريدة لأنني ذهبت دون علمه لطلب يدها، أخبرتني بأنه قال “دول ناس ميعرفوش الأصول، مش ممكن أجوز هالك”

بين حياة لم تعاش وموت كان امنية:

في الرواية بعد روحي، إنساني يعيشه ابطالها، ويعيشون صراعا قويا، بين ما يتمناه المرء وما يحصل عليه حقا، وفي الرواية جديد مؤلم هو الموت الرحيم الذي يدفع الروح قبل الجسد لمغادرة هذا العالم الذي طالما عذبنا، وحرمنا ممن نحب،” هو الموت، حالة فريدة حقا، ربما هو الشئ الوحيد الذي يجعلنا قادرين على الصفح، لقد فرقنا الموت منذ زمن، و اليوم يجمعنا من جديد. سامحني أولادي، و عاودنا الجلوس في بيت فريدة، لقد طلب ت يد فريدة مرتين، و كذلك فعل ابني.

الظلم العادل:

وفي سرد بعيد المدى تروي لنا الكاتبة كيف ان الظلم الذي لحق برفعت بحرمانه من فريدة، هو الذي جعله يشكر القدر لهذا البعد الزمني الذي فصله عن الألم على فراقها، والحياة في النسيان والأوهام كما عاش، وكما عاد ليساعد العشاق لتكتمل قصص عشقهم كما لم يحدث معه/ هو الذي تمسك بما تمنى ، تمسك برغبته أن يظل شهيدا لا يعود للحياة، و لا يذوق مرارة الفراق ولا وجعه، وهو الذي حقا تمنى عودة الحرب، ليبتعد أكثر، وليجانب واقعه أكثر وهذا ما تختتم به الكاتبة روايتها الممزوجة بالألم والخسارات اللامتناهية للروح ولأوجاعها معا.

“أريد حربا تعيدني، فأمنع كل ما فعلته من آثام، صر ت أعلم جيدا

عاقبتها،

أريد حربا أسترد منها نفسي،

أريد حربا أستعيد من خلالها أبي و أمي،

أريد حربا أتزوج فيها حبيبتي،

أريد حربا أستعيد فيها شبابي،

أريد حربا لا أظلم فيها امرأة أخرى.

[1] حرب أكتوبر أو حرب العاشر من رمضان كما تعرف في مصر أو حرب تشرين التحريرية كما تعرف في سوريا أو حرب يوم ، هي الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة التي شنتها كل من مصر وسوريا على إسرائيل عام 1973. بدأت الحرب يوم السبت 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1973 م الموافق 10 رمضان 1393.

 

د. يسرى السعيد

انظر ايضا

مسيحيون من أجل السلام تصدر بياناً تستهجن فيه موقف بطريركيات أنطاكية من الضربات الامريكية

نشرت منظمة مسيحيون من اجل السلام السورية المعارضة بياناً عبرت فيه عن استهجانها من موقف …

مليشيات #PYD تعاود مداهمة قرية ام كهيف وتعطي مهلة يومين للتهجير القسري

افاد مراسل شباب بوست في القامشلي ان مليشيات عادت مجددا لتداهم قرية ام كهيف شمال …

مليشيات #PYD تعاود مداهمة قرية ام كهيف وتعطي مهلة يومين للتهجير القسري

افاد مراسل شباب بوست في القامشلي ان مليشيات عادت مجددا لتداهم قرية ام كهيف شمال …