الرئيسية » اضاءات تاريخية » رحلة إلى مضارب طيء نصيبين 1927م
شيخ طيء وعلى يمينه يجلس ابنه فرحان ( 9 سنوات)
شيخ طيء وعلى يمينه يجلس ابنه فرحان ( 9 سنوات)

رحلة إلى مضارب طيء نصيبين 1927م

 

مهند الكاطع

رحلة إلى مضارب طيء نصيبين 1927م.

هذه الرحلة جزء من رحلة كارل ر. رسوان، إلى فواز الشعلان, يصف في هذا الجزء مروره بمخيم طيء نصيبين سنة 1927م.

وصلنا إلى مخيم شيخ طيء، الذي كان يغطي مراعي خصبة،على مرأى من الجبال التي تغطيها الثلوج في كردستان  ماوراء الحدود التركية، وفي غياب الشيخ استقبلنا كاتبه واخذنا إلى خيمة كبيرة حيث اجتمع الكثير من الاشخاص يمتعون بالفعل بضيافة زعيم شهير.

صانع القهوة ضيفني المشروبات العربية العطرية، وبذكاء يمسك الفناجيل المتحلقة في يده كالبيض في عشها، و تتدفق القهوة المرة من يده الاخرى من وعاء مصنوع بطريقة فنية جميلة (الدلة)، وقام بتقديم القهوة للجميع قبل ان يجمع الفناجين ليصب القهوة مرة اخرى، قاموا بخدمتنا كما انهم يقيمون حفل لنا، وقد كانت القهوة مشروب مقدس لاهل البادية، الكلمات المتبادلة بين الضيف ومضيفه، وشرب القهوة كما لو كانت اخر قطرة تتذوقها مع عبارات الحمد والشكر لله كلها جزء من تقاليد حافظ عليها المضيفين الكرماء.

ليس ذلك فحسب، بل تحميص القهوة واشعال الجمر وضجيج مدقة القهوة (الهاون) الذي يتمايل على الايقاع، لتصبح جزء من تقاليد و من رموز الفضائل عند العرب، وعادات البدو من الحياة حتى الممات.

هنا ايضاً في هذا الجزء الحفاظ على القهوة في مضيف الشيخ محمد عبد الرحمن، سليل خالد الذكر حاتم الطائي من القرن السابع، الذي يذكره التاريخ كأكرم العرب.

لم يمضي وقتاً طويلاً على وصولنا حتى وصل الشيخ مع مجموعة خيالة بعد ان كانوا في رحلة مطاردة، دخل الخيمة فوقفنا جميعنا على اقدامنا، تقدم صديقي وقدمني للشيخ فعانقني الشيخ قائلاً لي ببساطة “السلام عليكم”، أومأ لي بالجلوس، فجاء صانع القهوة مسرعاً يصب لنا القهوة العربية مرة أخرى.

كان مضيفنا طويل القامة، رفيعاً، ذو بنية رشيقة، لم ارى اطرافه الدقيقة ولا اليدين، عيونه سوداء وعميقة تلمع على وهج النار، يضع كوفية حريرية سوداء على راسه، وتعطيه مظهراً جذاباً، كان هذا الرجل القوي صامتاً بطبيعته، لكنه إلى اقاصي الصحراء كان معروفاً بشجاعته، ونبل شخصيته.

وبما ان ديرة طيء تقع في مناطق نفطية شهيرة وتشمل نصيبين، لذلك تسعى كل من تركيا وفرنسا إلى استمالة شيخ طيء، وكذلك تسعى انكلترا في العراق.

تعتبر قبيلة طيء من اهم قبائل الشرق الادنى، ومحاربيها يمتلكون الجرأة مثل العرب الذين التقيتهم في ما مضى، يغازلون المعارك وتغمرهم الفرحة باجواءها، واستطاعت طيء اخضاع معظم العرب والاكراد والتركمان في حدودها واخذ جزية منهم. لم يكن لدى الشيخ محمد العبد الرحمن العديد من الخيول العربية الأصيلة، باستثناء ما كان يحصل عليه في بعض المعارك والغارات، كان لديه فرس كحيلة-كروش التي ينتهي رسنها إلى قبيلة مطير في نجد، وقد انتقلت سلالتها من عجمان إلى شمر إلى العمارات من عنزة إلى المنتفك ومرة أخرى إلى شمر ثم إلى طيء.

وقد قُدمت لي فرس كستنائية للركوب اثناء وجودي في مخيم طيء. وقد كانت الليالي التي قضيتها خالية من ضوء القمر، مما جعل خطر الذئاب اكبر، خاصة وانها تتواجد بكثرة في هذه المناطق، وتستقر جماعات من الذئاب في جبال كردستان، لكنها تنزل في الشتاء واوائل الربيع إلى مخيمات العرب في السهول.

لا ازال اذكر الليلة الاولى لي عندي طيء، واذكر حتى بكاء الاطفال، ونباح الكلاب واضطراب القطيع الذي ينذر بوجود ذئب، قبل ان نستيقظ صباحاً والجميع في حالة استنفار بعد ان استطاع الذئب قتل مهرة حديثة الولادة.

مع شروق شمس الصباح، انطلق الجميع في حملة لمطاردة الذئاب، امتطى شيخ طيء محمد العبد الرحمن احدى خيوله السريعة، لكن فرسي لم تكن سريعة فهي لم تكن

شيخ طيء وعلى يمينه يجلس ابنه فرحان ( 9 سنوات)
شيخ طيء وعلى يمينه يجلس ابنه فرحان ( 9 سنوات)

من سلالة كروش، وسألني الشيخ اذا كنت اودّ ان احمل رمحاً من الرماح التي كانوا يصنعونها من القصب المنتشر حول الانهار والمزين بريش النعام، والاشرطة القرمزية الملونة، وقطع من القضة تحت نصل الرمح المؤلف من ثلاثة جوانب حادة، وحمل الشيخ احدها في يده، ورفعه فوق راسه وهو على ظهر فرسه، وكان ذلك مشوقاً، قبلت حمل احداها ويدي ترتجف، وعبر لي الشيخ عن سعادته بصيد الذئاب بهذه الاسلحة التقليدية، وحمل الرماح خمسة من اقاربه، فيما كان هناك 40 من الرجال الاخرين تسلحوا بأسلحة مختلفة في هذه الرحلة.

عثرنا في جهة قريبة منا نحو اليسار على اثنين من الذئاب المذعورة، التي انطلقت هرباً وانطلقنا في مطاردتها، حيث اتعبناها بعد قطع نحو 12 ميلاً من المطاردة دون وجود اي جدران او حواجز اوخنادق، ومع ذلك كانت المطاردة خطرة.

استطاع 14 من الخيالة مطاردة احد الذئاب واللحاق به وقتله، اما انا فلم اكن محظوظ باستخدام الرمح الذي سقط مني وتحطم، اما شيخ طيء فقد كانت فرسه تجري بسرعة والقى برمحه بسرعة هائلة نحو الاسفل إلى الذئب الرمادي، واستطعت باستعارة بندقية ان اطلق رصاصتي على ساق الآخر وارديته قتيلا في الطلقة الثانية.

كان يوماً مثيراً ، حيث اننا استطعنا مطاردة خمسة عشر ذئباً ، وتمكنا باسلحتنا اصطياد تسعة منها، عدنا متعبين لكننا سعداء في الظلام إلى المخيم، الذي كان فيه المزيد من الاثارة.

كان من ضيوف الشيخ محمد العبد الرحمن، عودان ابن كديم الرويس من قبيلة شمر، الذي جلى إلى مضارب طيء بعد قتله لابن عمه، وكانت عادت البادية تستوجب دفع الدم او الصلح بقبول الدية التي تقدر بخمسين من الابل وبعض الاموال الاخرى، وكان الجلوي في مأمن عند شيخ طيء، وعلى الرغم من ذلك فقد قرر الرحيل و (……) ، وكان وفق عادات العرب يمنع ملاحقته لمدة ثلاثة ايام بعد خروجه من مخيم الشيخ محمد العبد الرحمن.

 

 

تعليقات

التعليقات ادناه تعبر عن وجهة نظر و اراء اصحابها لا عن راي شباب بوست