الرئيسية » ثقافة » شعر » كأنّكِ الثورة.. كأنيَّ أبحثُ عنكِ

كأنّكِ الثورة.. كأنيَّ أبحثُ عنكِ

كأنّكِ الثورة.. كأنيَّ أبحثُ عنكِ
حسن شاحوت

الوطن، العشق، المطر، الأرض، الحلم، الكلمات، الشعر، القصيدة التي تركض في الشوارع حافية، المنفى، قرص الشمس، الغيمة التي تستعصي على الغزاة، سنابل القمح في الحقول، الشامات في وجه الليل لقهر مواجعنا، العصافير، الحمام، البجع الذي يقيم صلاته في البحيرة، الأسماك الملونة في الأواني البلورية وخطأُ الحصى، الياسمين الذي يلّوح لي من الشرفات، الشجر الذي يقرأ تفاصيل الطين، الماء الذي في الورقة، الأطفال الملائكة، الموسيقى، العاصفة، آخر رشفة من فنجان القهوة.. الحياة.. تشبهين كلّ شيء.. كلّ شيء، ولا أشبهُ شيئاً!.

[AdSense-A]

2

مثل الوطن/ مثل الهوية التي يحاولون قطع أشجارها، وحرق جذورها ويفشلون مثل شمس الحريّة الحارقة، وأرواح الشهداء التي يتبخّر ماؤها إلى الأعلى، مثل البلاد التي سارت بأبنائها نحو الحدود (أوف.. يا ترى هل تعود)؟!

مثل حواجز التفتيش وهم ينبشون قبر أوراقي الثبوتية ببطء مميت
مثل فلسطين التي..!، التي خنقت بين شفتيها الآه، مثل أمي التي ألقمتني ثديها اليابس لأنمو -فيما بعد مقطوع- مثل أبي ووحشة غيابه، وطيور تحطُ فوق شاهدة قبره المهترئة، مثل أربع أطفال صرتُ لهم وطناً، فقطعت قلوبهم الطرية بسكاكينِ الغياب، مثل أشياء كثيرة تسكن زوايا ذاكرتي كالعناكب، مثل شوارع المدن التي اقرأها كل يوم بعيونِ القصيدة، مثل حكايات القرى المستلقية على ظهرها وقت الظهيرة، مثل ذكريات الفراق المبللة بدمعِ الحنين، مثل الحنين الذي يشدُّ أذن القلب كل لحظة، مثل قصائد الأصدقاء والصور الشعرية الباذخة، مثل عطلة نهاية الأسبوع وشهوة النوم، مثل أشياء كثيرة.. كثيرة، أحاولُ أن أكتب عنكِ، وأفشل..!

image

3
في الوطن والمدن المقطعة أوصالها أقلب صفحات الشوارع برمحِ القصيدة، في أحياء الفقراء التي أرضعوها دماءهم، في الشوارع المزدحمة بالزهورِ والضيم، ينتحرُ الصبرُ في عيونِ صبيةٍ سمراء، ويبيع اليائسون أحلامهم برغيفِ، في القرى -ما بين حراقات النفط- تلوث صدري وقميص القصيدة ببقعِ الزيت، تحت سنبلة انكسرت، رأيتكِ تخلعين أثواب الذكريات المزركشة والحكايات الحائلة، في المقابر التي تسجن أجساد الشهداء وتُبقي أرواحهم حرة بيننا، في التراب الذي يروي ظمأ روحه بالنفط وطفولة أحلامنا، في أحشاء المطابخ، ما بين الملاعق التي لا تصلح لموائد العشاء الدينامكي والطناجر المطليةِ بالسُّخام والغبار، في الثلاجات المعبأةِ باللبن الحامض والجوع، في الليالي المكحلة بالدمع، نسبقُ أقدامنا إليكِ، هكذا نحنُ بظلالنا الناقصة وأحلامنا.

[AdSense-B]

 

في الشتاءات الجليدية لو قليلٌ من الدفء والطمأنينة، في الصيف كلّ شيءٍ يتبخّر.. الأصدقاء، عناوينهم، ذكرياتهم، أقدام العشاق، أثداء العشب، ضفاف الريح -أنا بالذات- يستأجرُ البعوض بيتي.

في الماءِ الخائن الذي يروي ظمأ اللصوص وقطيع الذئاب/ اللصوص الذين سرقوا اسمكِ وصاروا أئمة لنا، في نوحِ الأمهات وجثث الأشجار التي قصفتها الريح، في الأغاني الشعبية، في ضحكات العيون التي تتسرّب إلى الروحِ خلسةٍ وتسّر القلب، في أشياء كثيرة كضمائر الشعراء وأحزانهم، في المنفى وزحمة الأسئلة المتعفنة، تُفتّشُ ذاكرتي عنكِ، في المحطات وحقائب المسافرين نحو أوهام الأبدية.

في القطارات رأيتكِ تلّوحين لي بمناديلِ الخيبة، في الطائرات التي تُكنسُ أرصفة السماء، وذكريات الطيور كذلكَ، في عظامِ أيام العطل والأعياد وذاكرةِ القطط، في قلوب العصافير المذعورة وأحاديث الأصدقاء المنافقين، في دموع الكهرباء، والليل المضاء بعيون الكلاب والمخبرين، في الحواجز العارية من الأمان، في زخات الرصاص، دوي القذائف، في كلّ هذا الخراب المخيف، أبحثُ عنك أيتها الثورة اليتيمة والضائعة

image

[AdSense-C]

تعليقات

التعليقات ادناه تعبر عن وجهة نظر و اراء اصحابها لا عن راي شباب بوست

انظر ايضا

في انتظار الربيع الفكري وزلزاله

  د.يسرى السعيد كانت الليالي حبلى بآماني يسجلها شوق العطاء و المعرفة, ومما لم ننساه …