الرئيسية » مقالات » قِف..قِف.. من أنت؟
قف قف من انت

قِف..قِف.. من أنت؟

قِف..قِف.. من أنت؟ بقلم وائل الناصر

كانت ليلةً باردةً،الساعة الواحدة ليلاً،ألفُّ نفسي بنفسي في الخيمة،مع حذرٍ فاغرٍ فاهُ لأدنى حركةٍ تصدر تحتي و حولي،هنا تحت كل شيءٍ عقرب،هذا المعسكر الأوّل لي في الصحراء كصفِّ ضابطٍ في الجيش العربي السوري.

كانت ليلةً باردةً جداً و كنتُ أنا عريف الحرس و هو الذي يستلم مهامه من رئيس الحرس الذي تنتهي مهمَّته عند الساعة الثانية عشر ليلاً و تبدأ مهمتي من الساعة الثانية عشر ليلاً حتى الثامنة صباحاً يجب أن أسهر و أتفقد الحرس باستمرار لأحمي حدود المعسكر من اختراق العدوِّ.

كنت ألتحف الغيظ و أريد لهذه الليلة المهزلة أن تنتهي،و في غمرة التحافي هذا دسست نفسي بين جنود الخيمة النيام و نمت،و لم أدرِ كم نمت حين أيقظني أحد الحرس و قال لي:الضابط المناوب يريدك. ذهبتُ إليه و كنتُ أعددتُ أذني الوحيدة التي أسمع بها لكل ما سيقول و قد قيل و ما زال يُقال. بدأني بحمد الوطن قيادة و قيادة و المقاومة و كيف أنِّي خنتُ بنومي القائد و الوطن و المقاومة وووووالخ ،من كلام الحركة التصحيحيّة.

هددني،حييتُ و انصرفتُ،ما إنْ وصلتُ الخيمة حتى رأيت أصدقائي يلتحفون نومهم ،و حاولت أن أجد أي أحد مستيقظاً ليؤنسني فلا أنام. وجدت خيمةً مستيقظةً و يسهرون على ضوء الليزر بدون أن يثيرو انتباه أحد و يلعبون الورق ،جلست معهم نتحدثُ و نضحكُ و نحكي النكات، إلى أن قام أحد الجنود من حماسته و ضرب يده بقوة على الأرض قائلا لخصمه، افرش،و صرخ، فقلنا له: ما بك ،قال و أشار،عقرب،العقرب المسكين صدف مروره مع حماس صديقنا فخرَّ صريعاً.

و نحن نحاول أن نستفسر من المتحمِّس إنْ كان العقرب قد لسعه،اذْ دخل علينا الضابط المناوب و هو يُرغي و يُزبد،و صرخ بوجهي،أنت هنا و الحرس كله نائم،و أسمعني كلام الحركة التصحيحيَّة و ذهبت معه لتفقِّد الحرس.

و انصرف هو إلى مكتبه ،ذهبت إلى خيمتي و حاولت أن أُلهي البرد عنِّي بأيِّ شيءٍ،و إذْ بي أسمع الحرس يصرخ ،عريف الحرس، للتعارف، و يكرُّرها بأعلى صوته ، ركضتُ إليه ووجدته يرجف من الخوف.

ماذا بك. قال :سمعتُ صوتاً يقترب منِّي و قلت له قف قف قف مكانك و لم يقف.

ذهبتُ لأتفقَّد و لم أجد شيئًا.

و جاء الضابط و سألني: ماذا هناك ،فقلت له: لايوجد شيء سيِّدي.

و عاد الضابط الى مكتبه و عدتُ الى خيمتي ألتحفُ غيظاً سوريًَّا لايُدانيه غيظٌ،هذا الضابط لا يريد لهذه اللَّيلة أن تنتهي. و أنا محاطٌ بكلِّ هذا الغيظ سمعتُ الحرس يصرخ بأعلى صوته ،عريف الحرس للتعارف ،ذهبتُ إليه و كانت فرائصه ترتعد من الخوف وقلت له: ماذا رأيت ، أشار و قال لي انظر هناك، لقد صرخت به اكثر من مرة قف مكانك و لم يقف و ما زال يقترب مني.

لقَّمتُ بندقيَّتي و ذهبتُ بالإتجاه الذي أشار اليه،و حين أضأتُ اللَّيزر وجدتُ حماراً يتبختر، فضربته بكل الغيظ الذي أحفظه.

و حين لمحتُ الضابط قادمٌ نحونا قلتُ للجنديِّ: لا تتكلم ،و جاء الضابط و قال: ماذا هناك،فقلت له: سيدي لقد رأينا ضبعاً كان قريباً من هنا .

قال الضابط : عريف الحرس أنا بالمكتب ان احتجتني تعال إليَّ.

و هكذا قلتُ للحرس ناموا و نمتُ بسلام.

أعجبتني جداً،الكيفيّة التي أخرجتُ بها المشهد،قول الحقيقة هنا كان سيضعني أمام احتمالين:الأول أن يصبح حضور الحمار مثاراً للضحك و المرح،فتفتح شهية الضابط لإذلالي.

و الثاني:أن أُصبح أنا و الحمار محطّ سخريته و تزداد شهية اذلاله لي،و كلاهما مرّ.

أن يصبح الحمار ضبعاً،هي سلسلة طويلة من المشاهد يحفظها السوري،ضبعاً عن حمار،سأقرع بحذرٍ باب طفولة البعض منكم و أعود به إلى الماضي بلسان أبي الحاضر حيث قال:في عام 1981 قبل مجزرة حماة الرهيبة،كان هناك شيخ مقرئ للقرآن في قرية صغيرة من قرى ريف حماة الشمالي،أراد هذا الشيخ أن يعلم الناس القراءة و الكتابة،و أخبرهم في صلاة الجمعة أنه من أراد أن يتعلم فليأت إليه ليُسجِّل اسمه،و بعد مدَّة من الزمن جاء رجال الأمن و قبضوا على الشيخ بتهمة انه قياديٌّ من الإخوان المسلمين و حين رأوا عنده قائمة الأسماء أضيفت إليه تهمة أخرى و هي إرفاق الإخوان بكوادر مسلَّحة،وتم تصفيتهم جميعاً إلَّا ما ندر،و كاد أبي أن يكون بينهم لولا غنمات جدي.

و قلت في نفسي أنا لست أول من يستضبع الحمار،فهذه السياسة هي التي دمرت سوريا في الثمانينات،و هي ذاتها التي تدمّر سوريا الآن،إنَّها سياسةٌ أمميَّةٌ بحتة،اخترعتها الدول الكبرى صاحبة الحضارة لاستحمار الشعوب و استضباع الطغاة.

تعليقات

التعليقات ادناه تعبر عن وجهة نظر و اراء اصحابها لا عن راي شباب بوست