الرئيسية » مقالات » “بيتزا وفودكا ودماء” حقيقة إتفاق كيري لافروف!
"بيتزا وفودكا ودماء" حقيقة إتفاق كيري لافروف!
"بيتزا وفودكا ودماء" حقيقة إتفاق كيري لافروف!

“بيتزا وفودكا ودماء” حقيقة إتفاق كيري لافروف!

خليل المقداد

 

بملامح صارمة ولهجة جدية وبعد إنتظار طويل، دخل وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف إلى القاعة المخصصة للصحفيين حاملا زجاجتي فودكا مخاطبا إياهم بالقول: “البيتزا من الوفد الأميركي، نحن نأتي بالفودكا”، حدث هذا في ختام جولة المباحثات الثنائية الأخيرة التي جمعت كلاً من كيري ولافروف في جنيف، حيث توصل الطرفان إلى إتفاق يتم بموجبه فرض هدنة على الأطراف السورية، تبدأ أول أيام عيد الأضحى المبارك بتاريخ الثاني عشر من الشهر الحالي سبتمبر \ إيلول وتستمر لمدة يومين قابلة للتمديد لأسبوع.

من حيث المبدأ ليس هناك جديد فيما تم الاتفاق عليه بين الطرفين بخصوص “وقف إطلاق النار”، فقد جاء مكملاً لإتفاق “وقف الأعمال العدائية” الذي فرضته كل من روسيا والولايات المتحدة على الأطراف السورية بتاريخ 27 فبراير شباط من هذا العام، حيث لم يصمد الإتفاق وإن ليوم واحد، فقد تم خرقه حتى من قبل الأطراف الراعية له والتي فرضته كروسيا والولايات المتحدة وإيران، في حين إستمر نظام الأسد وبرعاية أممية بممارسة الحصار والقتل والتهجير، الأمر الذي فرغ الاتفاق من مضمونه وحوله إلى وسيلة إبتزاز لفرض الإستسلام السوريين، بانتظار ترتيبات عسكرية تسمح بفرض تسوية سياسية يرونها مناسبة. 

مخاض عسير هو الذي سبق إتفاق كيري لافروف، إذ وبعد أسبوعين من المفاوضات الماراثونية، وثلاثة عشرة ساعة من المفاوضات المكثفة، ولد الاتفاق رغم الأخذ والرد وكثرة التصريحات الأمريكية التي أنبأت بفشله، مع العلم أن هذا الإتفاق كان قد أقر سابقا ولكن بخطوطه العريضة، وذلك من خلال إجتماعات كيري مع كل من بوتين ولافروف في الشهر السابع من هذا العام، ليتوج يوم التاسع من هذا الشهر سبتمبر \ إيلول بإجتماعات جنيف، حيث يمكننا القول إنه يعد إنتصاراً لروسيا التي نجحت في فرض وجهة نظرها، وإجبار الولايات المتحدة الأمريكية على التخلي عن سياسة النفاق والمراوغة، ليدشن الطرفان مرحلة جديدة من التوافق وتنسيق التدخل العسكري المشترك في سورية، ليجعل من جبهة فتح الشام “جبهة النصرة سابقاً” هدفا مشتركا لكلا الطرفين، الأمر الذي ترجم عمليا بخطوة حسن نية أمريكية تجاه الروس، تمثلت بقيام الطيران الأمريكي باستهداف قيادات فتح الشام وجيش الفتح المسؤولة عن إدارة معارك فك الحصار عن مدينة حلب، حتى قبل صدور التصريحات الرسمية بالتوصل للإتفاق.
    
لعل أبرز ما تم الاتفاق عليه بين كيري ولافروف، هو تشكيل غرفة عمليات روسية – أمريكية مشتركة لقتال تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام، ومطالبة فصائل المعارضة السورية بفك إرتباطها بالجبهة والإبتعاد عن أماكن تواجدها، الأمر الذي يعني الاتفاق على بدء مرحلة الحرب العلنية على الجبهة والفصائل المتحالفة معها، أو التي تتواجد ضمن نطاق الإستهداف وأياً كان توجهها العقدي، وهو ما سيعيد خلط أوراق الفصائل المسلحة وخارطة تحالفاتها على الساحة السورية، فالولايات المتحدة لم تتوقف يوما عن إستهداف “جبهة النصرة” لكن دخولها العلني على خط المواجهة إلى جانب روسيا، يعتبر رسالة لفصائل المعارضة المنخرطة في جيش الفتح أو تلك التي تنسق عملياتها مع جبهة فتح الشام، بأن الحرب المباشرة والمفتوحة على الجبهة قد بدأت، وسيتعين على الجميع التخلي عن أية تحالفات أو تنسيق معها.

الخطة واضحة لا لبس فيها وهي إنعكاس لما يجري على الأرض وترتبط إرتباطاً وثيقا بمعارك حلب وحماة الأخيرة، وتقضي بمنع ولادة أي كيان عسكري يمكن أن يشكل خطراً على موازين القوى على الأرض، فمسألة فك إرتباط جبهة النصرة عن القاعدة سمحت للعديد من الفصائل بالتحرر من عقدة التحالف أو التنسيق مع تنظيم مصنف على قائمة الإرهاب، لكن الاتفاق الروسي – الأمريكي لم يمهل الفصائل المسلحة، فجاء ليؤكد على حقيقة أنه لا إعتبار للمسميات، فالحرب ليست على أسماء بل توجهات، ومن غير المسموح الخروج على ماهو مرسوم لسورية، وبالتالي فمن غير المسموح للسوريين أن يتوحدوا ولا أن يشكلوا كيانهم العسكري الخاص بهم، وهنا تبرز مسألة الشرذمة التي تعاني منها الساحة السورية التي لم تكن سوى نتاج سياسة دولية وإقليمية كان أحد أهم أهدافها منع توحد السوريين وبأي شكل من الأشكال.

اليوم تثبت الأحداث مجدداً أنه لا إنشقاق جبهة النصرة عن تنظيم الدولة الإسلامية وقتالها له، ولا فك إرتباطها بالقاعدة وتغيير إسمها، ولا إنشقاق عدد من قادتها ومؤسسيها عنها، شفع لها من الإستهداف، وحتى رغم تغيير خطابها السياسي وإعلان قبولها بكافة مكونات الثورة السورية المسلحة والتنسيق مع العديد منها، وإمتناعها عن إستهداف حواضن النظام في دمشق والساحل، بقيت الجبهة بمسماها الجديد هدفا لا يقل أهمية عن تنظيم الدولة الإسلامية، وهذا الأمر لا يعني انها الوحيدة المستهدفة، فأحرار الشام وجند الأقصى وأي فصيل آخر هم أهداف سيجري التعامل معها، ولكن وفق أولويات يحددها الخطر الذي تشكله هذه الفصائل على الأجندات المرسومة لسورية.   

من المتوقع أن نشهد قريباً تطورات مهمة، لكنها ستبقى مرهونة بمدى قوة الاتفاق الروسي – الأمريكي وإنخراط الدولتين في الحرب على جبهة فتح الشام والفصائل المتحالفة معها، وهذا قد لا يعني بالضرورة إنفكاك الفصائل عن الجبهة أو قتالهم لها، بل ربما سيؤدي لنتيجة عكسية نشهد خلالها ولادة كيان عسكري يضم عددا من كبرى الفصائل، وهو ما قد يمثل تحديا لما تم الاتفاق عليه بين كيري ولافروف، لكن هذا الأمر يبقى مرتبطا بإرادة الفصائل المسلحة ومرجعياتها الإقليمية ومدى رغبتها في دعم هكذا توجه.

المثير للشفقة والإشمئزاز في آن معاً، هو أن السوريين معارضة وموالاة كانوا ومنذ بداية الثورة وما تلاها من أحداث هم الغائب الحاضر في كل ما يجري الاتفاق عليه من ترتيبات، فحتى هيئة المفاوضات التي من المفترض أنها كيان تفاوضي يمثل المعارضة وتم التوافق عليه دوليا وإقليميا، لم يجري التفاوض معه ولا إستشارته ولا حتى إطلاعه على حيثيات الاتفاق الروسي – الأمريكي، ولا في كل ما يجري من ترتيبات وإتفاقات دولية وإقليمية، في حين بقيت روسيا هي الناطق الرسمي باسم نظام الأسد وحلفائه، حتى قبل إطلاعهم على ما جرى التوافق عليه، فتؤكد في كل مناسبة أن حليفها في دمشق موافق وملتزم.

في كافة الإتفاقات التي تم فرضها على السوريين لم يتم إحترام أي منها، فبقيت حبرا على ورق، ووسيلة للتسويف والمماطلة أعطت لنظام الأسد وحلفاءه الفرصة للإستمرار بالقتل والتهجير، كيف لا وروسيا هي الحليف الأول، في حين أن الولايات المتحدة هي العراب الذي يتحمل إثم ومسؤولية كل ما يحدث من جرائم بحق الإنسانية، فهل كان نظام الأسد ليستمر في إرتكاب جرائمه وإستخدام السلاح الكيميائي لولا علمه أنه بمأمن من العقاب ويتمتع بحصانة أممية.

المفارقة المدهشة في كل ما يتم الاتفاق عليه من ترتيبات وتصنيفات، هو مسألة إستثناء التدخل الإيراني والميليشيات الطائفية العابرة للحدود كحزب الله والنجباء وأبو الفضل وفاطميون وزينبيون وأكثر من أربعين فصيلا شيعيا متعددة الجنسيات دخلت سورية وتقاتل إلى جانب الأسد، حيث لم يتم الإشارة إليها من قريب أو بعيد، ولم يتم إستهدافها يوما وإن عن طريق الخطأ، في حين أن أي فصيل إسلامي سني هو فصيل إرهابي يتوجب على السوريين أنفسهم قتاله؟!  

إتفاق كيري – لافروف الأخير لم يأت بجديد سوى علنية الحرب الأمريكية على كل من يفكر بالتحالف أو التعاون مع الفصائل الإسلامية، وهو ما يؤكد خبث الدور الأمريكي الذي يدير الصراع في سورية بشكل مرحلي، ليس من ضمن أهدافه إسقاط الأسد ولا إيجاد حل للأزمة السورية، ولا يقيم وزناً أو إعتباراً لمأساة شعب يقتل ويهجر للسنة السادسة على التوالي، الأمر الذي يطرح السؤال المحوري حول دور السوريين في صنع مأساتهم بأيديهم، فالتشرذم السياسي والعسكري وما يحدث على الساحة من تخاذل وإنبطاح للعديد من الفصائل وخاصة على الجبهة الجنوبية وتنفيذها للإملاءات الخارجية، هو الذي شجع الآخرين على التمادي في فرض أجنداتهم دون الرجوع إلى السوريين ولا حتى إستشارتهم فيما يتم إعتماده من تسويات وإتفاقات.  

كيري وفي تصريح له عقب إنتهاء المباحثات مع نظيره الروسي لافروف صرح بأن بدء الهدنة يتزامن مع عيد الأضحى، مضيفا أنه في حال صمدت هدنة السبعة أيام، فإن القوات الأمريكية ستوافق على التعاون مع الجيش الروسي في سورية، وهي بهذا تجس نبض الفصائل وتعطيها مهلة وتحاول إيجاد مبرر يضمن إنفكاك الفصائل المصنفة معتدلة عن تلك المصنفة إرهابية، أما الجائزة فهي وكالعادة مجرد هدنة تسمح بدخول بعض المساعدات المنقوصة إلى بعض المناطق المحاصرة، وهنا لابد من ملاحظة أن الشيء الجديد والوحيد في الأمر هو التعهد بعدم سرقة نظام الأسد للمساعدات الأممية، من خلال ضمان عدم نزع أقفال الشاحنات إلا بعد وصولها إلى وجهتها.

الرد التركي لم يتأخر كثيرا حيث صدر يوم السبت بيان باسم الخارجية التركية يرحب بإتفاق وقف إطلاق النار ويدعمه، لكن اللافت للنظر هو أن البيان التركي قد صدر بعد إتصال وزير الخارجية التركي بنظيره الروسي وليس الأمريكي، وهذا أمر له دلالات كثيرة، ويؤكد على التنسيق الروسي – التركي الجديد فيما يخص الشأن السوري. 

من المهم جداً أن نعلم أن الاتفاق الروسي – الأمريكي الأخير لا يهدف لإيجاد تسوية للأزمة السورية، بل لتكريس الهدن ووقف الأعمال القتالية بين نظام الأسد وفصائل المعارضة وذلك ضمانا لتوحيد الجهود والتفرغ لقتال كل من تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام وكافة الرافضين لبقاء الأسد، وإعطاء الحرب عليهم شرعية شعبية، من خلال وقف القصف الذي تتعرض له بعض المدن السورية الثائرة، لكن هذا ليس كل شيء، إذ إن هذه الفصائل ستجد نفسها لاحقاً مرغمة على المشاركة في الحرب على الجبهة ورافضي بقاء الأسد. 

رد بعض الفصائل على إتفاق كيري – لافروف خطوة جيدة لكنها ليست كافية، ولابد من أن يتبعها قرار موحد برفض هكذا هدن لا هدف لها سوى تكريس بقاء الأسد وإطلاق يده في القتل والتدمير والتهجير، أما في حال إصرار أمريكا وروسيا على المضي في خطتهما قدماً، فإن أفضل رد يكون بإلغاء كافة التفاهمات وفتح الجبهات مع عصابة الأسد، وعليها أن تركز على مسألة الوجود العسكري الإيراني والميليشيات الطائفية في سورية، والمطالبة بمعاملتها بالمثل والمطالبة بخروجها، فكف يد إيران وميليشياتها عن سورية كفيل بإضعاف نظام الأسد وسقوطه وفرض حل يلبي مصلحة السوريين وإن بحده الأدنى المتمثل بإسقاط منظومة الحكم الأسدي ومحاكمة كل من تلوثت يده بدماء السوريين وحرماتهم.

في الوقت الذي يتحدثون فيه عن إتفاقات هدنة ووقف إطلاق نار، يقوم رأس العصابة بتمثيل صلاة العيد في داريا التي فرغت من سكانها، بينما يستعد لتهجير سكان جارتها المعضمية إلى مدينة جرابلس تحديدا ودون ضمانات أممية، ويستمر بإرتكاب المجازر في حلب وإدلب ودرعا وريف دمشق، حيث لا يكاد يمر يوم دون سقوط العشرات من الشهداء والجرحى، وهو ما يكشف بوضوح أن الهدف الحقيقي لهذه الهدن، هو منع الفصائل من التوحد الذي سيعني فتح معارك حقيقية كبيرة، وبالتالي إسقاط نظام الأسد.   

“البيتزا من الأمريكيين والفودكا على روسيا”، جملة قصيرة لكنها تختزل سنين من التعاون وتبادل الأدوار والتآمر على السوريين الذين إختلطت دمائهم بأرغفة الخبز، التي وقفوا بانتظار الحصول عليها قبل أن تباغتهم صواريخ روسيا وأمريكا وبراميل الأسد المتفجرة لتحول أجسادهم إلى أشلاء لا يعرف أصحابها, لتعبأ في أكياس وتدفن بإسم مجهول؟!

المتتبع لسير الأحداث سيلاحظ أنه ومنذ بداية الثورة السورية المباركة، حرص معظم اللاعبون الدوليون والإقليميون على شرذمة الثورة ومنع ولادة كيان سياسي أو عسكري سوري موحد يمثلها ويكون بديلا للنظام المجرم، فكانت الخطوط الحمراء الشهيرة المعروفة بـ “لا” لإسقاط الأسد بحجة وجود فراغ سلطة، “لا” للتحرير والحل العسكري بحجة الخوف من التطرف والإرهاب، “لا” لإستهداف حواضن النظام في دمشق والساحل بحجة حماية الأقليات، أما اليوم فإن هدنة كيري – لافروف، تأتي لتضيف “لا” جديدة تتمثل بمنع أي وحدة أو إندماج فصائلي يمكن له أن يحدث فرقا على الأرض ويكون نواة كيان عسكري سوري قوي، الأمر الذي سيعني بالمحصلة قلب الطاولة على الجميع والخروج من دائرة الإملاءات الدولية والإقليمية.

 

 

المصدر: اورينت نت

تعليقات

التعليقات ادناه تعبر عن وجهة نظر و اراء اصحابها لا عن راي شباب بوست